جاء أحدث قرار بشأن استقرار سعر الفائدة الفيدرالي خلال واحد من أكثر اجتماعات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي متابعة منذ سنوات، حيث صوّت صناع السياسة النقدية لصالح الإبقاء على سعر الفائدة الأساسي دون تغيير ضمن نطاق يتراوح بين 3.50% و3.75%، مع التأكيد على أن التضخم لا يزال مرتفعًا أكثر من اللازم، وتجديد التزامهم باستعادة استقرار الأسعار.
ورغم أن اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة قررت الإبقاء على السياسة النقدية دون تغيير بأغلبية تسعة أصوات مقابل ثلاثة، فإن العدد غير المعتاد من الأعضاء المعارضين للقرار سلط الضوء على تزايد القلق داخل البنك المركزي من استمرار ارتفاع مخاطر التضخم، رغم ظهور بعض المؤشرات الأخيرة على تراجع ضغوط الأسعار.
وجاء القرار متوافقًا بصورة عامة مع توقعات الأسواق، رغم أن المستثمرين كانوا قد زادوا من تسعير احتمال رفع سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية خلال الأيام السابقة للاجتماع. وفور صدور الإعلان، ازداد انحدار منحنى عوائد سندات الخزانة الأمريكية، وتراجع الدولار الأمريكي بصورة محدودة، في حين ارتفعت أسعار الذهب والفضة بعدما خفض المتداولون توقعاتهم بشأن تشديد نقدي قوي خلال المدى القريب.
استقرار سعر الفائدة الفيدرالي رغم مطالبة ثلاثة مسؤولين برفعه
رغم عدم تغير القرار الرئيسي، أصبحت نتيجة التصويت المفاجأة الأبرز في الاجتماع.
فقد صوّت كل من بيث هاماك ونيل كاشكاري ولوري لوغان لصالح رفع سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية بمقدار خمسة وعشرين نقطة أساس، معتبرين أن استمرار التضخم لا يزال يبرر اتباع سياسة نقدية أكثر تشددًا. وكان المسؤولون الثلاثة قد طالبوا سابقًا، خلال وقت مبكر من هذا العام، بالتخلي عن ميل مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي نحو التيسير، مما يجعل اعتراضهم متوافقًا مع مواقفهم الأخيرة بشأن السياسة النقدية.
وسلطت معارضتهم الضوء على تصاعد الانقسامات داخل اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة. فعلى الرغم من تفضيل الأغلبية الإبقاء على السياسة الحالية، فإن وجود ثلاثة أصوات معارضة أشار إلى أن نسبة مؤثرة من صناع السياسة ترى أن المزيد من التشديد النقدي قد يصبح ضروريًا إذا لم يواصل التضخم تراجعه.
ومثل القرار واحدًا من أكثر تصويتات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي تقاربًا خلال عدة سنوات. كما عزز التوقعات بأن تظل الاجتماعات المقبلة شديدة الاعتماد على البيانات الاقتصادية الواردة.
استقرار سعر الفائدة الفيدرالي مع موازنة الاحتياطي الفيدرالي بين قوة النمو واستمرار التضخم
أقر مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بأن اقتصاد الولايات المتحدة يواصل التوسع بوتيرة قوية، رغم ارتفاع حالة عدم اليقين الجيوسياسية.
ووفقًا لبيان السياسة النقدية، لا يزال نمو الإنتاجية والاستثمار في الأعمال قويين، بينما تتماشى مكاسب التوظيف بصورة عامة مع نمو القوى العاملة. كما لم يشهد معدل البطالة تغيرًا كبيرًا خلال الأشهر الأخيرة، مما يعكس استمرار مرونة سوق العمل.
ومع ذلك، كرر صناع السياسة التأكيد على أن التضخم لا يزال أعلى من هدف مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي البالغ 2%، مشيرين بصورة خاصة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة باعتبارهما من العوامل التي تسهم في استمرار الضغوط السعرية.
وأكد البيان مجددًا أن استعادة استقرار الأسعار لا تزال أحد الأهداف الرئيسية للجنة، موضحًا أن صناع السياسة مستعدون لتشديد السياسة النقدية بصورة إضافية إذا لم يتحسن التضخم.
استقرار سعر الفائدة الفيدرالي مع حفاظ كيفن وارش على نبرة متشددة
رغم عدم تغير السياسة النقدية، ركزت الأسواق بصورة كبيرة على تصريحات رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، كيفن وارش.
وخلال مؤتمره الصحفي، وصف وارش النقاش بشأن السياسة النقدية بأنه “خلاف عائلي صحي”، مؤكدًا أن اختلاف الآراء داخل اللجنة يعكس عملية سليمة لصنع السياسات وليس انقسامًا مؤسسيًا. وأوضح أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي اختار في النهاية الحفاظ على الاستقرار بأغلبية كبيرة. لكنه شدد على أن المسؤولين “لن يترددوا في التحرك” إذا لم يواصل التضخم التراجع نحو المستوى المستهدف.
كما أشار وارش إلى ارتفاع العوائد الاسمية والحقيقية على سندات الخزانة الأمريكية، موضحًا أن الأسواق المالية نفسها شددت الأوضاع المالية بالفعل إلى حد ما. ومع ذلك، أكد بوضوح أن رفع أسعار الفائدة مجددًا لا يزال خيارًا واقعيًا إذا ظل التضخم مرتفعًا بصورة عنيدة.
وعززت تصريحاته الرأي القائل إن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، رغم توقفه عن رفع الفائدة هذا الشهر، لم يتخل عن استعداده لتشديد السياسة النقدية مرة أخرى.
استقرار سعر الفائدة الفيدرالي يدفع الأسواق إلى إعادة تقييم توقعات اجتماع سبتمبر
دفع قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي المستثمرين على الفور إلى إعادة تقييم توقعاتهم بشأن التحركات المستقبلية لأسعار الفائدة.
وقبل صدور الإعلان، كانت عقود أسعار الفائدة المستقبلية تسعر تشديدًا نقديًا تراكميًا بنحو ست وعشرين نقطة أساس بحلول شهر سبتمبر. وبعد القرار، تراجعت هذه التوقعات إلى نحو ثماني عشرة نقطة أساس. مما يعكس انخفاض الثقة في أن رفعًا جديدًا لأسعار الفائدة أصبح أمرًا حتميًا.
واستجابت أسواق السندات بزيادة صعودية في انحدار منحنى عوائد سندات الخزانة الأمريكية. فقد تراجعت العوائد قصيرة الأجل بشكل محدود. كما ارتفعت العوائد طويلة الأجل قليلًا. مما يشير إلى أن المستثمرين اعتبروا قرار الاحتياطي الفيدرالي أقل تشددًا من بعض التوقعات.
استقرار سعر الفائدة الفيدرالي مع استمرار الجدل بين الاقتصاديين بشأن اجتماع سبتمبر
يتحول اهتمام الأسواق الآن إلى الاجتماع المقبل لـ مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في شهر سبتمبر.
ورغم أن الأسواق المالية لا تزال تمنح احتمالًا ملموسًا لرفع جديد لأسعار الفائدة، يرى العديد من الاقتصاديين أن صناع السياسة قد يختارون مرة أخرى الإبقاء على الفائدة دون تغيير إذا استمرت البيانات الاقتصادية المقبلة في الإشارة إلى تراجع التضخم وتباطؤ زخم سوق العمل.
ويرى مؤيدو تثبيت الفائدة في سبتمبر أن عدة مؤشرات توضح بالفعل تراجع الضغوط التضخمية. فقد انخفضت بيانات التضخم الرئيسية الأخيرة، وتباطأ نمو الأجور، كما يواصل تضخم الإسكان التراجع. وإضافة إلى ذلك، تشير استطلاعات الأعمال إلى ضعف نوايا التوظيف، مما يوحي بأن أوضاع سوق العمل قد لا تكون بالقوة التي يعكسها معدل البطالة المنخفض.
في المقابل، لا يزال آخرون أقل اقتناعًا بهذا الرأي. حيث يرون أن ارتفاع أسعار النفط واستمرار التوترات الجيوسياسية قد يعيدان إشعال التضخم. مما قد يجبر صناع السياسة على التحرك في وقت لاحق من هذا العام.
ومع صدور تقريرين عن التوظيف وتقريرين عن التضخم قبل اجتماع سبتمبر، يُتوقع أن تؤدي البيانات الاقتصادية المقبلة دورًا حاسمًا في تحديد القرار التالي لـ مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.
رد فعل الأسواق
فسرت الأسواق المالية الإعلان باعتباره تثبيتًا متشددًا لأسعار الفائدة، وليس تحولًا نحو سياسة نقدية أكثر تيسيرًا.
فقد أدى عدم رفع الفائدة بصورة فورية إلى الضغط في البداية على الدولار الأمريكي. بينما ارتفعت المعادن الثمينة وسط توقعات بأن يتم تشديد السياسة النقدية بوتيرة أكثر تدريجية مما كان متوقعًا سابقًا. كما عكست أسواق سندات الخزانة إعادة تقييم لتوقعات أسعار الفائدة المستقبلية. حيث خفض المستثمرون احتمالات التشديد على المدى القريب مع مواصلة مراقبة مخاطر التضخم على المدى الطويل.
أما أسواق الأسهم، فقد استجابت بحذر، إذ وازن المستثمرون بين الارتياح لعدم ارتفاع تكاليف الاقتراض والتحذير الواضح من مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بأن المزيد من التشديد لا يزال ممكنًا إذا لم يتحسن التضخم.
النظرة المستقبلية
يؤكد أحدث قرار بشأن تثبيت سعر الفائدة أن الاحتياطي الفيدرالي لا يزال ملتزمًا بمكافحة التضخم. كما يتجنب تشديد السياسة النقدية قبل صدور مزيد من البيانات الاقتصادية.
ويعكس الانقسام غير المعتاد في التصويت، بواقع تسعة أصوات مقابل ثلاثة، استمرار تباين وجهات النظر داخل اللجنة. كما يؤكد تمسك كيفن وورش بالتحرك إذا ظل التضخم عند مستويات مرتفعة. وتشير هذه المواقف إلى أن صناع السياسة ما زالوا يعتبرون التضخم التحدي الرئيسي أمام الاقتصاد الأمريكي. كما يعكس ذلك استمرار تركيزهم على استقرار الأسعار خلال الفترة المقبلة.