أظهر أحدث تقرير مؤشر مديري المشتريات ISM لقطاع الخدمات، والذي نُشر في 6 يوليو، أن قطاع الخدمات الأمريكي واصل التوسع للشهر الرابع والعشرين على التوالي، مما يعزز قوة أكبر اقتصاد في العالم رغم ظهور مؤشرات على تباطؤ وتيرة النمو. وسجل المؤشر الرئيسي 54.0 نقطة في يونيو، منخفضًا بشكل طفيف من 54.5 نقطة في مايو، لكنه ظل أعلى بكثير من مستوى 50 نقطة الفاصل بين التوسع والانكماش. وعلى الرغم من أن هذا التراجع المحدود يشير إلى تباطؤ طفيف في نشاط الأعمال، فإن التقرير يؤكد أن نمو قطاع الخدمات لا يزال واسع النطاق ويواصل دعم الزخم الاقتصادي العام.
وتعاملت الأسواق المالية مع البيانات على أنها إيجابية بشكل عام. فعلى الرغم من تباطؤ النمو مقارنة بالشهر السابق، فإن استمرار توسع قطاع الخدمات، إلى جانب تحسن أوضاع التوظيف، يشير إلى أن النشاط الاقتصادي لا يزال يتمتع بالقدر الكافي من القوة، بما يدفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى توخي الحذر قبل المضي في تخفيف السياسة النقدية بوتيرة سريعة.
تقرير مؤشر مديري المشتريات ISM لقطاع الخدمات يكشف عن تحسن التوظيف
كان مؤشر التوظيف أحد أكثر مكونات التقرير متابعة، حيث عاد إلى منطقة التوسع بعد ثلاثة أشهر متتالية من الانكماش.
وارتفع مؤشر التوظيف إلى 51.2 نقطة مقارنة بـ 47.9 نقطة في مايو، مما يشير إلى أن شركات قطاع الخدمات استأنفت عمليات التوظيف رغم تباطؤ النمو في النشاط الاقتصادي بشكل عام. ويعكس هذا التحسن تجدد ثقة الشركات، خاصة مع استمرار استقرار الطلب في العديد من القطاعات.
في المقابل، تراجع مؤشر نشاط الأعمال إلى 55.4 نقطة من 57.7 نقطة. بينما انخفض مؤشر الطلبات الجديدة إلى 55.1 نقطة مقارنة بـ 57.3 نقطة في مايو. ورغم هذا التراجع، بقي المؤشران أعلى مستوى 50 نقطة. مما يدل على أن الشركات لا تزال تشهد توسعًا في النشاط والطلبات الجديدة.
ويقدم هذا المزيج من تباطؤ النمو وتحسن التوظيف صورة متوازنة لاقتصاد يشهد اعتدالًا في الأداء، وليس تراجعًا حادًا.
تقرير مؤشر مديري المشتريات ISM لقطاع الخدمات يشير إلى تراجع الضغوط التضخمية
وجاء تطور إيجابي آخر من خلال مؤشر الأسعار، الذي انخفض إلى 67.7 نقطة مقارنة بـ 71.3 نقطة، ليسجل أدنى قراءة له منذ فبراير 2026.
ورغم بقاء المؤشر عند مستويات مرتفعة، فإن التراجع الأخير يعكس انحسارًا تدريجيًا لضغوط التضخم في قطاع الخدمات. كما ساهم انخفاض أسعار الوقود خلال يونيو في تهدئة وتيرة ارتفاع الأسعار.
ومع ذلك، أبلغ المشاركون عن ارتفاع أسعار عدة مواد. وشملت النحاس والألومنيوم ومعدات التدفئة والتهوية والتكييف ومكونات الذاكرة الإلكترونية.
كما ظلت الرسوم الجمركية مصدرًا متكررًا للضغوط السعرية في عدة قطاعات.
وبالنسبة لصناع السياسات، يعد تباطؤ وتيرة ارتفاع الأسعار مؤشرًا إيجابيًا. ومع ذلك، لا يزال التضخم أعلى بكثير من المستوى المستهدف للاحتياطي الفيدرالي.
تقرير مؤشر مديري المشتريات ISM لقطاع الخدمات يبرز تحسن سلاسل الإمداد
كما أشار تقرير يونيو إلى استمرار تحسن أوضاع سلاسل الإمداد بعد عدة سنوات من الاضطرابات.
وانخفض مؤشر تسليم الموردين بشكل طفيف إلى 54.4 نقطة. مما يشير إلى أن فترات التسليم لا تزال تتباطأ ولكن بوتيرة أقل مقارنة ببداية العام. وفي الوقت نفسه، ارتفع مؤشر تراكم الطلبات إلى 54.9 نقطة. وهي ثاني أعلى قراءة له خلال ما يقرب من أربع سنوات. مما يعكس استمرار قوة الطلب الأساسي.
وشهد نشاط المخزونات تغيرًا ملحوظًا أيضًا، إذ هبط مؤشر المخزونات بشكل حاد إلى 51.2 نقطة من 62.5 نقطة. وهو ما يشير إلى أن الشركات ربما بدأت تقلص عمليات تكوين المخزون الاحترازي مع تحسن سلاسل الإمداد وارتفاع مستويات الثقة.
وفي المقابل، تراجع مؤشر الواردات إلى منطقة الانكماش عند 49.4 نقطة. مما يعكس انخفاض نشاط الاستيراد بعد عدة أشهر من مستويات الشراء المرتفعة.
آفاق مجلس الاحتياطي الفيدرالي
يأتي هذا التقرير في توقيت بالغ الأهمية بالنسبة للأسواق المالية. حيث يواصل المستثمرون تقييم المسار المحتمل للسياسة النقدية الأمريكية.
ورغم أن الانخفاض الطفيف في المؤشر الرئيسي قد يبدو للوهلة الأولى داعمًا لتوقعات تباطؤ النمو الاقتصادي، فإن عدة مكونات في التقرير. من بينها تحسن التوظيف، واستمرار توسع الطلبات الجديدة، وقوة نشاط الأعمال، تشير إلى أن الاقتصاد الأمريكي لا يزال يتمتع بأساسيات قوية.
وبالنسبة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، فإن ذلك يخلق بيئة معقدة لاتخاذ القرار. فتباطؤ الضغوط السعرية قد يخفف بعض المخاوف المتعلقة بالتضخم، إلا أن استمرار توسع قطاع الخدمات، وهو أكبر قطاع في الاقتصاد الأمريكي، يقلل من الحاجة إلى إجراء تخفيضات سريعة في أسعار الفائدة.
وبناءً على ذلك، ستظل توقعات الأسواق بشأن السياسة النقدية المستقبلية مرتبطة بشكل وثيق ببيانات التضخم المقبلة، وبيانات سوق العمل، والمؤشرات الاقتصادية الأخرى.
تقرير مؤشر مديري المشتريات ISM لقطاع الخدمات يحرك الأسواق
جاءت استجابة الأسواق المالية للتقرير بحذر.
فقد عزز التقرير التوقعات بأن الاقتصاد الأمريكي يواصل النمو بوتيرة معتدلة بدلًا من الدخول في تباطؤ حاد. كما ظلت عوائد سندات الخزانة مستقرة نسبيًا، في ظل موازنة المستثمرين بين تباطؤ النمو الرئيسي وتحسن أوضاع سوق العمل.
ورأت أسواق العملات أن التقرير يدعم الدولار الأمريكي. بينما رحب مستثمرو الأسهم بالإشارات التي تفيد باستمرار تراجع الضغوط التضخمية دون حدوث تدهور حاد في نشاط الأعمال.
أما أسواق السلع، ولا سيما الذهب، فقد بقيت شديدة الحساسية لانعكاسات التقرير على قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي المقبلة. إذ إن أي تغير في توقعات أسعار الفائدة قد يؤثر بشكل كبير في أسعار المعادن الثمينة.
النظرة المستقبلية
يرسم تقرير مؤشر مديري المشتريات ISM لقطاع الخدمات لشهر يونيو صورة لاقتصاد أمريكي لا يزال يتمتع بالمرونة رغم تباطؤ النمو. فعلى الرغم من تراجع نشاط الأعمال والطلبات الجديدة بشكل طفيف، فإن استمرار التوسع في معظم قطاعات الخدمات، وتحسن أوضاع التوظيف، وتراجع الضغوط السعرية، تشير جميعها إلى أن الظروف الاقتصادية لا تزال إيجابية بشكل عام.
وبالنسبة لمتداولي Brisk Markets، يؤكد التقرير أهمية متابعة البيانات الاقتصادية القادمة وعدم الاكتفاء بالعناوين الرئيسية فقط. فالتوازن بين تباطؤ التضخم واستمرار النمو الاقتصادي سيظل العامل الرئيسي في تشكيل توقعات السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، وبالتالي توجيه تحركات الدولار الأمريكي، وعوائد سندات الخزانة، والأسهم، والسلع، والمعادن الثمينة خلال الأسابيع المقبلة.