تراجعت المؤشرات الأمريكية يوم الثلاثاء 18 أغسطس 2026، مواصلة ابتعاد وول ستريت عن مستوياتها القياسية الأخيرة، في ظل مواجهة المستثمرين مزيجًا من ارتفاع عوائد سندات الخزانة، وصعود أسعار النفط، وحالة عدم اليقين الجيوسياسي، وتجدد عمليات البيع في أسهم الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات.
وخلال جلسة الثلاثاء، تراجع مؤشر ناسداك المركب بنحو 1.1% – 1.4%، مسجلًا الأداء الأضعف بين المؤشرات الرئيسية، بينما انخفض مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنحو 0.5% – 0.6%. في المقابل، أظهر مؤشر داو جونز الصناعي قدرًا أكبر من الصمود، متراجعًا بنحو 0.1% – 0.2% فقط.
وتضع هذه التراجعات مؤشر ستاندرد آند بورز 500 في طريقه لتسجيل الجلسة الثالثة على التوالي من الخسائر، بعدما وصل المؤشر إلى أعلى مستوى له على الإطلاق يوم الخميس الماضي.
ويحمل التباين بين المؤشرات أهمية خاصة للمتداولين، إذ تتركز خسائر اليوم بشكل كبير في أسهم التكنولوجيا والشركات ذات معدلات النمو المرتفعة، بدلًا من أن تكون موجة بيع حادة بالدرجة نفسها في جميع قطاعات السوق.
ناسداك يقود التراجعات مع تعرض أسهم الذكاء الاصطناعي للضغوط
يقع قطاع التكنولوجيا في قلب ضعف السوق خلال جلسة الثلاثاء.
فقد انخفض مؤشر ناسداك المركب بأكثر من 1%، بينما تراجع مؤشر ناسداك 100 بنحو 1.5% مع خفض المستثمرين انكشافهم على أسهم شركات أشباه الموصلات والشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وكانت شركات صناعة الرقائق من بين الأكثر تضررًا. إذ تراجع صندوق فان إيك لأشباه الموصلات المتداول في البورصة بنحو 5%، بينما انخفض سهم مايكرون تكنولوجي بنحو 6% – 7%، وخسر سهم إنفيديا أكثر من 2%، كما تراجع سهم برودكوم.
وتأتي موجة البيع في الوقت الذي يتزايد فيه تساؤل المستثمرين حول ما إذا كان الإنفاق الضخم على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي سيتحول إلى أرباح مستدامة بالسرعة الكافية لتبرير التقييمات المرتفعة للأسهم.
كما أظهر أحدث استطلاع لمديري الصناديق من بنك أوف أمريكا أن المراكز الشرائية في أسهم أشباه الموصلات تعد من بين أكثر الصفقات ازدحامًا في السوق، رغم تراجع الحماس تجاهها إلى حد ما.
وبالنسبة للمتداولين، فإن ذلك يخلق نقطة ضعف واضحة: فعندما تكون المراكز الاستثمارية والتقييمات مرتفعة، يمكن أن يؤدي صعود العوائد أو صدور أخبار مخيبة للآمال من الشركات إلى تصحيحات أكبر بكثير من المعتاد.
ارتفاع أسعار النفط يزيد مخاوف التضخم في وول ستريت
تزداد أهمية النفط بالنسبة إلى توقعات المؤشرات الأمريكية.
فقد ارتفعت أسعار الخام بشكل حاد مع تصاعد حالة عدم اليقين المحيطة بالصراع بين الولايات المتحدة وإيران ومضيق هرمز. واقترب خام برنت من 91 دولارًا للبرميل، بينما تجاوز خام غرب تكساس الوسيط 85 دولارًا خلال جلسة الثلاثاء.
ولا تكمن المشكلة بالنسبة لمستثمري الأسهم في ارتفاع أسعار النفط وحده.
فارتفاع تكاليف الطاقة يمكن أن ينتقل إلى تكاليف النقل والإنتاج والمستهلكين، ما قد يبطئ التحسن الأخير في معدلات التضخم.
ويخلق ذلك سلسلة من التأثيرات التي قد تكون سلبية للأسهم:
ارتفاع النفط ← زيادة مخاطر التضخم ← ارتفاع توقعات أسعار الفائدة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي ← ارتفاع عوائد سندات الخزانة ← انخفاض تقييمات الأسهم.
وقد تستفيد شركات الطاقة من ارتفاع أسعار الخام، لكن النفط المرتفع يمكن في الوقت نفسه أن يتحول إلى عامل ضغط على مؤشر ستاندارد آند بورز 500 الأوسع نطاقًا، وخاصة أسهم التكنولوجيا الحساسة لتحركات أسعار الفائدة.
ستاندرد آند بورز 500 يبتعد أكثر عن مستواه القياسي
دخل مؤشر ستاندرد آند بورز 500 الأسبوع من موقع قوي للغاية.
فقد أغلق المؤشر يوم الاثنين عند 7,745.06 نقطة، منخفضًا بنسبة 0.5%، بعدما سجل مؤخرًا مستوى قياسيًا. وأنهى مؤشر داو جونز جلسة الاثنين عند 53,459.78 نقطة، بينما أغلق مؤشر ناسداك المركب عند 26,644.91 نقطة.
ويعني التراجع الإضافي يوم الثلاثاء أن الزخم قد ضعف بدرجة أكبر.
ومع ذلك، ينبغي للمتداولين التمييز بين التصحيح الطبيعي بعد الوصول إلى مستويات قياسية وبداية تصحيح أكبر في السوق.
فلا يزال مؤشر ستاندرد آند بورز 500 مرتفعًا بنحو 13% خلال عام 2026، بينما كان مؤشر ناسداك قد حقق مكاسب تقارب 14.6% منذ بداية العام حتى جلسة الاثنين. في حين ارتفع مؤشر داو جونز بنحو 11.2%.
وتعني هذه المكاسب أن بعض عمليات جني الأرباح ليست مفاجئة.
لكن السؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كانت عمليات البيع ستبدأ في الانتشار خارج قطاع التكنولوجيا إلى القطاعات المالية والصناعية وأسهم المستهلكين وغيرها من القطاعات الحساسة للنشاط الاقتصادي.
المؤشرات الأمريكية: داو جونز يظهر قدرة أكبر على الصمود
يتفوق مؤشر داو جونز الصناعي على المؤشرات التي تهيمن عليها أسهم التكنولوجيا خلال تراجعات الثلاثاء.
فبينما خسر مؤشر ناسداك أكثر من 1%، سجل مؤشر داو جونز خسائر محدودة فقط.
ويعكس هذا الأداء الأفضل نسبيًا انخفاض انكشاف مؤشر داو جونز على شركات التكنولوجيا ذات التقييمات المرتفعة. إلى جانب وجود تمثيل أكبر للشركات الصناعية والرعاية الصحية وشركات السلع والخدمات الاستهلاكية الأكثر نضجًا.
كما تقدم بعض الشركات الفردية دعمًا للمؤشر.
فعلى سبيل المثال، أعلنت هوم ديبوت عن أرباح للربع الثاني بلغت 4.92 دولارًا للسهم، مع إيرادات وصلت إلى 47.86 مليار دولار، متجاوزة التوقعات رغم الظروف الصعبة في سوق الإسكان. وارتفع سهم الشركة في البداية عقب صدور النتائج.
وبالنسبة للمتداولين، يشير الصمود النسبي لمؤشر داو جونز إلى أن حركة اليوم تمثل جزئيًا على الأقل تحولًا بعيدًا عن أسهم النمو مرتفعة التقييم، وليس موجة بيع عشوائية تشمل السوق بالكامل.
البيانات الاقتصادية تضيف مصدرًا آخر للقلق
قدم الجدول الاقتصادي الأمريكي يوم الثلاثاء أيضًا معلومات جديدة للمتداولين حول قطاع الإسكان.
فقد انخفضت عمليات بدء بناء المنازل بأكثر من المتوقع في يوليو، في حين ارتفعت تصاريح البناء.
ويُعد قطاع الإسكان حساسًا بشكل خاص لتحركات أسعار الفائدة، ما يجعل البيانات الأخيرة مهمة في ظل استمرار ارتفاع عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل.
ويمكن أن تؤثر تكاليف الاقتراض المرتفعة على القدرة على تحمل تكاليف الرهن العقاري، والبناء السكني، والنشاط الاستهلاكي الأوسع.
وهذا يعني أن سوق الأسهم يواجه حاليًا مزيجًا غير مريح يتمثل في ارتفاع تكاليف الاقتراض، وارتفاع أسعار الطاقة، وظهور علامات ضعف في القطاعات الاقتصادية الحساسة لأسعار الفائدة.
محضر اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد يكون المحفز الرئيسي التالي
تتحول الأنظار الآن نحو محضر اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي، المقرر صدوره يوم الأربعاء 19 أغسطس.
وسيبحث المتداولون في المحضر عن إشارات حول مدى استعداد صناع السياسة لرفع أسعار الفائدة مجددًا إذا ظل التضخم مرتفعًا.
وقد يكون رد الفعل مهمًا بشكل خاص لأسهم التكنولوجيا.
فإذا فسرت الأسواق المحضر على أنه أكثر تشددًا، فقد ترتفع عوائد سندات الخزانة. ما قد يمدد الضغوط على مؤشري ناسداك وستاندرد آند بورز 500.
أما الرسالة الأقل تشددًا، فقد تسمح بتراجع العوائد وتوفر بعض الدعم لأسهم النمو.
لكن أسعار النفط تزيد الصورة تعقيدًا. وحتى مع تراجع الحاجة إلى مزيد من التشديد النقدي، قد تغير أسعار الطاقة المرتفعة المشهد.
وقد تؤدي صدمة تضخمية جديدة إلى زيادة الضغوط على الأسواق. كما قد تحد من توقعات تبني سياسة نقدية أكثر تيسيرًا من مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
ما الذي يجب على المتداولين مراقبته في المؤشرات الأمريكية؟
ترسل تحركات السوق يوم الثلاثاء عدة إشارات مهمة للمتداولين في الوقت نفسه.
ويشير الأداء الضعيف لمؤشر ناسداك إلى أن أسهم النمو المرتفع والشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي شديدة الحساسية لصعود العوائد. وفي المقابل، يشير الصمود النسبي لمؤشر داو جونز إلى أن موجة البيع لم تصبح حتى الآن بالحدة نفسها في مختلف قطاعات السوق.
وفي الوقت نفسه، يقع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بين هذين الاتجاهين.
تتمثل أهم المتغيرات التي يجب مراقبتها خلال الجلسات المقبلة في عوائد سندات الخزانة وأسعار النفط. كما تشمل أداء شركات أشباه الموصلات والتطورات الجيوسياسية وتوقعات سياسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
كما ينبغي للمتداولين مراقبة مدى اتساع نطاق التراجعات في السوق. فإذا انتقلت عمليات البيع من قطاع التكنولوجيا إلى قطاعات أخرى، فقد يصبح التصحيح أكثر قوة.
أما إذا تراجعت العوائد واستقرت أسهم شركات أشباه الموصلات، فقد يبدأ المشترون في التعامل مع الانخفاض الأخير باعتباره فرصة بعد الأداء القوي للسوق خلال عام 2026.
توقعات المؤشرات الأمريكية: هل تنجح وول ستريت في الاستقرار؟
أصبحت التوقعات قصيرة الأجل لـ المؤشرات الأمريكية أكثر حذرًا بعد ثلاث جلسات من الضغوط التي أعقبت المستويات القياسية الأخيرة.
سيتعزز السيناريو الهبوطي إذا استمرت أسعار النفط في الارتفاع، وواصلت عوائد سندات الخزانة صعودها، ومددت أسهم التكنولوجيا تصحيحها. وفي هذه البيئة، من المرجح أن يظل مؤشر ناسداك أكثر عرضة للضغوط بسبب انكشافه الأكبر على شركات النمو ذات التقييمات المرتفعة.
أما السيناريو الصعودي، فيتطلب استقرار أسواق السندات. وقد يدعم تراجع العوائد تعافي مؤشري ستاندرد آند بورز 500 وناسداك.
كما قد يساعد انحسار التوترات الجيوسياسية في تحسين معنويات المستثمرين. وقد يدعم ذلك عودة الطلب على أسهم أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي.
وفي الوقت الحالي، تواجه وول ستريت مزيجًا من الضغوط الصعبة. وتشمل تقييمات الأسهم المرتفعة وصعود عوائد السندات وتجدد مخاطر التضخم.
ويتركز السؤال الرئيسي للمتداولين على مسار تراجع أسهم التكنولوجيا يوم الثلاثاء. فهل يبقى مجرد تصحيح منضبط بعد المستويات القياسية؟ أم يتحول إلى موجة أوسع من العزوف عن المخاطرة؟ ومن المرجح أن تقدم عدة عوامل إشارات مهمة خلال الفترة المقبلة.
وتشمل هذه العوامل عوائد سندات الخزانة وأسعار النفط الخام وأداء قطاع أشباه الموصلات. كما يترقب المستثمرون محضر اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي يوم الأربعاء.